يتناول هذا التقرير، الذي أعده محمد نابليون، دلالات انتخابات نادي القضاة الأخيرة في مصر، والتي يرى أنها عكست حالة من الاستياء المتصاعد داخل الأوساط القضائية تجاه عدد من القرارات الإدارية والتنظيمية التي أثرت في أوضاع القضاة واستقلال مؤسساتهم. وينقل الكاتب عن مصادر قضائية أن نتائج الانتخابات حملت رسائل احتجاج واضحة، بعدما فضّل القضاة اختيار قيادة يرونها أكثر قدرة على الدفاع عن مطالبهم المهنية والاقتصادية.
ويوضح موقع المنصة أن الانتخابات، التي شهدت مشاركة كثيفة ومنافسة قوية، تجاوزت كونها استحقاقًا نقابيًا لتصبح مؤشرًا على اتساع النقاش داخل السلطة القضائية بشأن الاستقلال الإداري، وآليات التعيين، والأوضاع المعيشية للقضاة، إضافة إلى مستقبل العلاقة بين المؤسسات القضائية والسلطة التنفيذية.
انتخابات نادي القضاة تعكس رفضًا للتدخل في الشأن القضائي
شهدت انتخابات نادي القضاة إقبالًا واسعًا أسفر عن فوز المستشار رفعت جابر برئاسة النادي بفارق مريح على منافسه المستشار ربيع قاسم، الذي ارتبط اسمه سابقًا بمنصب مساعد وزير العدل. وفسرت مصادر قضائية هذه النتيجة بأنها تعبير عن رغبة غالبية القضاة في الحفاظ على استقلال ناديهم بعيدًا عن أي نفوذ حكومي.
وجاءت الانتخابات بعد فترة انتقالية أعقبت استقالة الرئيس المنتخب السابق للنادي عام 2024 عقب انتقاله للعمل في البحرين، وهي مرحلة وصفها قضاة بأنها اتسمت بالجمود الإداري وتراجع مستوى الخدمات المقدمة للأعضاء، بالتزامن مع زيادة الضغوط المالية وتكليف عدد من القضاة بالعمل في دوائر ومحاكم بعيدة عن أماكن إقامتهم.
وأكدت المصادر أن هذه الظروف ساهمت في تراكم حالة من الإحباط، بعدما شعر كثير من القضاة بأن مطالبهم لم تعد تجد طريقها إلى الجهات المعنية، سواء فيما يتعلق ببيئة العمل أو بتحسين أوضاعهم المهنية.
التعيينات القضائية ودور الأكاديمية العسكرية يثيران الجدل
تصاعدت حدة التوتر داخل الوسط القضائي عقب توسيع دور الأكاديمية العسكرية في إجراءات تعيين القضاة، بعدما أوكلت إليها مسؤولية استقبال الطلبات وإجراء المقابلات واختيار المقبولين، وهو اختصاص كانت تتولاه الهيئات القضائية في السابق.
وأثار القرار اعتراضات واسعة، ما دفع مجلس إدارة النادي المؤقت إلى الدعوة لاجتماع طارئ ثم إلى جمعية عمومية استثنائية، قبل أن يتراجع عن الدعوة بعد اجتماعات مع مجلس القضاء الأعلى. ورأت مصادر قضائية أن إلغاء الجمعية العمومية عمّق شعور القضاة بعدم قدرة النادي على التعبير عن مواقفهم أو الدفاع عن استقلال السلطة القضائية.
وفي الوقت نفسه، برزت قضية المساواة المالية بين قضاة الاستئناف ونظرائهم في محكمة النقض باعتبارها أحد أبرز الملفات التي حركت النقاش داخل النادي، بعد اتساع الفجوة في الرواتب والبدلات. وتولى المستشار رفعت جابر رئاسة لجنة المساواة التي قادت المطالبة بتحقيق العدالة في الأجور، وهو الدور الذي أسهم في زيادة شعبيته بين القضاة.
ورفضت المصادر القضائية الربط بين جابر وحركة استقلال القضاء التي برزت خلال عهد الديكتاتور حسني مبارك، مؤكدة أن صعوده ارتبط بالمطالب المهنية والاقتصادية للقضاة، وليس بأي امتداد سياسي لتلك الحركة.
المطالب المهنية تتغلب على الوعود الإدارية
اعتمد المستشار ربيع قاسم خلال حملته الانتخابية على خبرته الإدارية وعلاقاته داخل مؤسسات الدولة، مؤكدًا قدرته على تحسين أوضاع القضاة عبر التفاهم مع الجهات الحكومية. واستند إلى نجاحات نسبها إلى اتصالات أجراها لحل بعض المشكلات المالية، مثل تأخر صرف المستحقات والترقيات.
لكن هذا النهج لم يحقق التأثير المتوقع، خاصة فيما يتعلق بملف الأكاديمية العسكرية، إذ رأى عدد من القضاة أن الدعوة إلى التريث والاعتماد على الحلول التفاوضية لا تستجيب لحجم القلق الذي أثاره القرار داخل المؤسسة القضائية.
كما أثارت مشاركة أعداد كبيرة من القضاة في الانتخابات، بعد دعوات إدارية لحثهم على التصويت، ردود فعل عكسية لدى قطاع من الناخبين، الذين اعتبروا ذلك محاولة للتأثير في إرادتهم الانتخابية. وترى المصادر أن هذه الأجواء دفعت كثيرًا من القضاة، ولا سيما الأصغر سنًا، إلى التصويت لصالح جابر بوصفه المرشح الأقرب إلى التعبير عن مطالبهم.
وعقب إعلان النتائج، أعلن معسكر ربيع قاسم عزمه الطعن عليها استنادًا إلى ملاحظات تتعلق بإجراءات فرز الأصوات وبعض الجوانب التنظيمية، وهو ما أعاد الجدل حول مستقبل مجلس إدارة النادي الجديد واحتمالات إعادة الانتخابات.
ورغم ذلك، تؤكد مصادر قضائية أن الرسالة الأساسية وصلت بالفعل، إذ أظهرت الانتخابات رغبة قطاع واسع من القضاة في تعزيز استقلال مؤسساتهم، والدفاع عن حقوقهم المهنية، وإيصال صوتهم في القضايا التي تمس أوضاعهم الوظيفية ودور القضاء داخل الدولة، وهو ما يمنح هذه الانتخابات أهمية تتجاوز حدود المنافسة النقابية إلى دلالات أوسع تتعلق بمستقبل العلاقة بين السلطة القضائية ومؤسسات الحكم في مصر.
https://manassa.news/en/stories/32718

